السيد عبد الأعلى السبزواري
310
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الأمراض إزعاجا ، بل قد يكونان من أعظم المهلكات ، فتكون كناية عن سلطنة الروح الإنسانيّة من كلّ جهة . الثالث : إحياء الموتى الذي هو السلطة التامّة على الروح ، وكونها تحت أمره بحيث يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . الرابع : عالم الغيب ، بحيث يكون حاضرا لديه . الحادي عشر : إنما كرّر سبحانه وتعالى : بِإِذْنِ اللَّهِ ، لبيان أنه لا شأن لعيسى وغيره من الأنبياء في صدور المعجزات عنهم ، والمدار كلّه على إذنه تعالى وإرادته ، قال جلّ شأنه : وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ سورة المؤمن ، الآية : 78 ] ، وبذلك تبطل دعوى الغلو والألوهية فيهم . ولم يذكره سبحانه وتعالى في آيتين من الآيات الأربعة - وهما إبراء الأكمه والأبرص والإنباء بالمغيّبات - إما لأجل استفادة الإذن فيهما من الآيتين الأخيرتين بالأولى ، لأن ذلك بالنسبة إليهما يعدّ من العرضي ، والإذن في الذاتي يستلزم الإذن في العرضي . مع أنه قد ذكر في سورة المائدة وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي [ سورة المائدة ، الآية : 110 ] ، وإما لأجل أن هذين الأمرين من الإنباء والإبراء ينبغي أن يكونا من مقامات الأولياء ، لا أن ينسب أوّلا وبالذات إلى اللّه تعالى ، لأن مقام ولايتهم يقتضي تفويض مثل هذه الأمور إليهم ، فلهم أن يفعلوا فيها بما يشاءون ، ولذا قال : وَأُنَبِّئُكُمْ فنسب ذلك إلى نفسه ، فإن مقام الولاية مقام برزخي بين الألوهية الحقّة والخلقيّة الصرفة . الثاني عشر : يدلّ قوله تعالى : فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ، على أن الإنسانيّة الكاملة هي غاية التكوينات والتشريعات لما ذكرناه مرارا ، ومن أنها هي الصراط المستقيم والجسر الممدود بين المبدأ والمعاد ، وهو وإن كان حادثا ولكنه بحسب البقاء أبدي كأزلية اللّه تعالى وأبديته ، فهذه الأمور الثلاثة : المبدأ تبارك وتعالى ، والصراط المستقيم ، والدار الآخرة ، متلازمة حقيقة ، وإن كانت مختلفة مفهوما .